مركز الثقافة والمعارف القرآنية
480
علوم القرآن عند المفسرين
مما ذكرنا في الجزء الأول من الرحلة المدرسية صفحة 132 - 184 . اعجازه في وجهة التشريع العادل ونظام المدنية قدّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بشرا عاديا في مثل ما ذكرناه مرارا في عصره ونشأته وتربيته وبلاده وقومه وجهلهم وعاداتهم الوحشية . ثم انظر هل يمكن في العادة لمثل هذا البشر إذا لم يكن موحى اليه ان يأتي من عنده ومن بشريته ، بمثل ما أتى به في القرآن الكريم من الشريعة الحقوقية العادلة والقوانين القيمة والأنظمة المعقولة الجارية بأجمعها على ما هو الصالح للبشر في المدنية والاجتماع والسياسة والحرب ومقدماتها ونتائجها . وجرت في عنايتها بالاصلاح من إدارة جميع العالم إلى الإدارة العائلية والبيتية والزوجية ، بل وإلى شؤون الكاتب والشاهد كما في سورة البقرة آية 282 فمنعت فيها من حضارة الكاتب والشاهد ونهت عن أن يحملا من أجل الكتابة والشهادة وأدائها ضرر المشقة والعناء وتضييع وقت أكثر من الوقت الطبيعي لمحض الأداء . وفي ذلك عبرة لأولي الألباب . وإليك فانظر ما في القرآن الكريم من الشرائع والقوانين العامة والخاصة واعتبر بكرامتها ومجدها في التشريع الفائق والاصلاح الحميد . ولا تحتاج معرفة مجدها وكرامتها إلى المقايسة والاعتبار بشرائع قطره وقومه ، تلك الشرائع الجائرة الوحشية الوثنية . نعم تزداد بصيرة إذا نظرت إلى شرائع التوراة الرائجة التي يعتبرها اليهود والنصارى في أجيالهم في أكثر من خمسة وعشرين قرنا ويعدونها كتاب وحي إلهي مقدس ، فانظر فيما فيها من شريعة تقديس هارون وبنيه وتفصيل ثيابهم وأوضاعها . وشريعة امرأة الأخ الميت . وتفلتها وولدها البكر من الأخ الثاني . وشريعة من ادعى زوجها انه لم يجد لها عذرة . وشريعة قتل الأطفال والنساء من البلاد المفتوحة بالحرب ، فإنك تعرف ان هذه الشرائع لا تكون إلا من بشر سخيف قاس ، وتزداد بصيرة بمجد القرآن الشريف في تشريعه وإنه لا يكون الا من وحي إلهي ، وقد أشير إلى شيء مما ذكرنا في أواخر الجزء الثاني من كتاب الهدى صفحة 280 - 292 ، والجزء الأول من الرحلة المدرسية صفحة 29 و 79 - 82 ، وانظر إلى العهد الجديد والغائه لنظام المدنية والأخذ أمام الظلم والعدوان ، بحيث ترك العالم بلا نظام رادع ولا شريعة تأديب عادلة فإنك تزداد